المشاركات

ذاكرة للتآكل .

صورة
  أفتح هذه الصفحة بعد شهورٍ توالت وساعات مضت،  تكبل يدي عن الكتابة ، يتجمد شعوري المتوقد، ويداعب الوسن عيناي.  تمضي الشهور، دون استنطاق أيّ شعور. تمنيت يومذاك لو أن الإنسان الذي نخر الأرض نخرًا، وجاب مشارقها ومغاربها، ليخترع ما يسهل على الناس معيشتهم، أن يخترع ما يساعدهم على التعبير عن أصعب ما يشعرون به، لكن لا.. هي الأماني التي تكبر في داخلي، ولا أعرف كيف تحقق. عدت لأخبر الأخبار، وأهدّ ما تراكم في النفس.. لكن قبل أن أتحدث عن الكائن البغيض الذي سكن داخلي، وتغذى على عواطفي، ومنعني النوم ليالٍ..  يا من تقرأ كلماتي الآن، هلَّ قدمت معروفًا؟ صدقني لن أحملك أيّ مشقة؛ سوى أن أطرح عليك سؤالًا.. "هل تستطيع أن تذكر انتصارًا حققته على النسيان؟ "  انتصارًا أحرزته في لحظة كان فيها يستعد لمحو ذكرى أو فكرة تشبث بها.. إن كنت قد فعلت فحمدًا لله؛ فما أصعب  التشبث بأمر تعلم أن هنالك قوة ستسلبك إياه غصبًا، وليس أبغض من رؤية كنزك الذي أودعته ذاكرتك، ونقشته في قلبك، يسلب في غفلتك، إذ لا سبيل لعودته إلا برحلة طويلة تعود منها بأجزاءٍ متفرقة منه، تجمعها، تستولدها أكثر جدة عن ذي قبل...

عزاء النفس

صورة
    نسيمٌ بارد، حفيف شجر، وضوء شمسٍ أرخى أشعته على النهر، مزرقٌ منساب. نقف أمامه نقلب النظر، وقد خلا كلٌّ منّا إلى نفسه وفتح الباب لأشجانه، ولأن منظره يخلع عن المرء رداء التكتم، أنطقني ترنيمةً أحفظها عن ظهر قلب، بنغمةٍ حزينة أنشدتها: " يا الماي اللي تمشي سلم لي على أمي.. قل ترى غصين الموز تخدم الخيزرانة" نظر إلي أخي وعلى ملامحه الدهشة وقال: ما الذي ذكرك بهذه الترنيمة؟ سؤال أخي المنذهل من خلجات نفسي، دفعني لابتسم ابتسامة النصر؛ كونه لم يدرك – على الرغم من كثرة التكرار- السر الخفي والحقيقي وراء هذه الترنيمة وقصتها. حارَ بي سؤاله ونغمات هذه الترنيمة لأيام الصبا، حيث كانت جدتي ترددّها على مسمعي كل ليلة، لا تنطلي عليها حيلي التي أمارسها لتغيير مجرى الأحداث في تلك القصة ولا في ترنيمتها الشجية، لذا صرفت عنها الرأي؛ حتى نُقشت -تلك القصة وألحانها- في عقلي، كنقشٍ على حجارة ملساء. تنكشف خبايا القصة كلمّا جررت أطراف خيوطها، من منزل التاجر الذي أسبغ الله عليه النعم، وابنته الوحيدة المدللّة، التي ملأت عليه الدنيا فرحًا ومرحًا، ذات الاسم الفريد "غصين الموز".. كانت تعيش عيشة نا...

رسائل معلقة

صورة
إن هذا اليوم أسعد أيامي وأحبها لقلبي العليل، فقد علمت أن رسالةً واحدة من بين آلاف الرسائل المعلقة ستصل إليكم. بعيدون أنتم بعد الجسد، بعد الزمان والمكان، قريبون قرب الروح؛ لذا لم أهمل كتابة الرسائل يومًا، ولم تقف حقيقة مرضي عائقًا عن ذلك . أنكم يا من تعيشون بالأمل تنتظرون خبري، وقد انقطع عن العالم دونكم، ولازم جسدي غرفة بيضاء مزينة بالأجهزة، وألقي على فراشٍ أبيض.. تمضي بي الساعات والأشهر فاقدٌ لوعيي، أنازع وأقاوم. إني أعلم أن ما يصلكم من خبري، ما أخمد شرارةً أوقدت في نفوسكم.. وقد هاجكم الوجد، وسلبكم قناع الليل سكينة أنفسكم؛ فاشتد الوجع بين جنبيكم وتأجّجت لوعتكم، وسألتم الكريم أن يبلغكم فيّ أمرًا ينزل على قلوبكم نزول الغيث على الأرض المقفرة.  لا أزال أتنفس تنفسًا يحرق صدري ويهدم أركان جسدي، فما أضيق صدري و أشدَّ وحشتي!  لا أطيق عالمي الجديد..لا الصمت المحتوم في هذه الغرفة، ولا صوتُ طنين الجهاز فوق رأسي، إذ يزداد طنينه يومًا بعد يوم، وتثقل نفسي عليّ وتنفر؛ فإن قطعت أسلاكه ودفعته بعيدًا، هرعوا من حولي أشخاصٌ يرتدون البياض، وما كان منهم إلا أن كبلوا الأيادي ومنعوا مرادي. حتى وفي لي...

ماذا بعد تهافت المشاعر؟

صورة
  اعتدت مع انصرام العام ألا أذكر أيًا من تفاصيله، لا أعاود فتح السجلات، ولا أمجد المنجزات -أن وجدت أصلًا- ولا أهنئ نفسي عليها، ولا أكبر أفعالي في عيني.. يدبر الأمس، يأفل الدهر، تطوى الأحداث التي يسلط فيها الضوء علّي كطي الورق، يمر كل شيء بهدوء لا يطيقه من لم يعتده. لعلّك ترى في تصرفي مبالغة، ولربما تراه عقابًا للنفس فلا يوجد أيّ بأس في مراجعة السجلات، ومدح المنجزات، التأمل في مكمن الأخطاء لتلافيها، وتشجيع النفس الضعيفة بالمسرات.. لكني يا صديقي، كالإسفنجة تشربت عادات أهل بيتي عمرًا، تمضي أعوامنا وتأتي أخرى وشعورنا واحد، نردد جملة واحدة : حمدًا لله على السلامة. وفي بعض الأحيان تمضي أعوامنا بصمتٍ مريب، لا يفهم أحد منا خباياه.  اليوم على أعقاب السنة الميلادية أقف، مستغرقة في صمتي، متأهبة للنطق بتلك الجملة كما لوكنت آلة، لكن تنبيهًا ومض من هاتفي ووجه انتباهي لمفكرة كتبتها قبل عامين، وقد لخصت فيها أهم ما عايشته في عامي ذاك، أغمضت عيني في ذهول وهرعت مسرعة لقراءة تلك المفكرة؛ التي خرقت بسببها عادتي. تستفتح المفكرة بهذه السطور : " السنة الميلادية شارفت على الانتهاء، لم أود أن تكون السن...

أم السعف والليف

صورة
  صباح طويل هادئ، تتلون فيه الوجوه وتكابد، تصفر تارة من شدة الجوع، وتحمر من شدة الانزعاج.. حصة دراسية متخمة بالثقل والإرهاق، يتباطأ فيها الفكر والاستيعاب، تهتز الأقدام في توتر، ترتفع صوت طرقات الأقلام، همسات خفية.. في خضم الجو، يرن جرس المدرسة بصوته المدوّي كالصريخ، معلنًا عن دخول لحظة الإفراج عن مساجين الفصول، إنها الفسحة. تندفع الأجساد بجنون، يتسابق المتسابقون، ويتدافع المتدافعون نحو مطعم المدرسة.. لا يدرك أيّ منّا عما أن كان الحظ سيحالفه هذه المرة ليصل أولًا، ليشتري أشهى الأطعمة قبل نفادها.. بالقرب من موقع المنافسة، ألمح قريبتي من البعيد، أهرع إليها تاركةً فرصتي للظفر بأشهى الأطعمة.  تأخذنا الأحاديث بانسيابية، تسألني عن بستان جدي الذي سنزوره غدًا، لأنها عطلة الأسبوع.. نضع المخططات، ونرتب الأنشطة يقطعنا، صوت الجرس المزعج معلنًا نهاية الخطط. تتواشج الأجساد، تنتثر كحبات خرز في الممرات، صخب، ضجيج، ينتهي كل هذا بدخول المعلمات إلى الصف. في نهاية اليوم الطويل، نودع الأصدقاء بأهازيج، تتعالى أصواتنا في ايقاع واحد نردد : "على البيت على البيت، نأكل بطاطا وشوكليت " وفي رواية أخرى ...

بوصلة زمنية.

صورة
      بخطوات ملؤها التردد، يقف أمام الباب المتهالك.. يحركه خطوة للأمام صوتٌ لحوح في رأسه، ويجره للخلف خوفه، يمل تردده الطويل؛ وبثقل العالم كله يفتح الباب ويلج إلى داخله. في الداخل استقبلته رائحة الأغبرة المتراكمة، صدى حركاته المترددة، وفي كل زاوية كانت الذكريات، تحتضنه باندفاع شديد. منزله الذي أصبح قاعًا صفصفًا؛ يؤذي القلب منظره ويملأه وحشةً وغربة.. آل إليه بعد مضي السنوات وطول المسافات، ينظر إليه نظرة الانتماء والولاء، يتبسم له والعينان مخضلّتان وبصوتٍ محشرج يقول:  هأنذا، عدت من جديد.       " ما أجمله من شعور!"  نطقت بهذا وأنا أتمعن في خبايا النص القديم الذي كتبته في إحدى الأيام، وقد غابت عني دوافع كتابته، فأحسست بالمشاعر الدفينة التي تغذى عليها، وتلمست أشد مشاعر هذا النص قوةً وتشبعًا بالعاطفة، وهي التي تركزت بقوة في "معنى العودة" وفكرتها التي سلبتني لبي بكل صورها المتناقضة عذبة كانت أم ثقيلة، ولوعة بها وحسب.   تيقظت حواسي لهذه الفكرة مبكرًا، ما كانت تمر مرور كرام، فبمجرد أن أشعر بها، أسحب لزمن لا يشبه الحاضر ولمكان لا وجود له إلا في ال...