ماذا بعد تهافت المشاعر؟
اليوم على أعقاب السنة الميلادية أقف، مستغرقة في صمتي، متأهبة للنطق بتلك الجملة كما لوكنت آلة، لكن تنبيهًا ومض من هاتفي ووجه انتباهي لمفكرة كتبتها قبل عامين، وقد لخصت فيها أهم ما عايشته في عامي ذاك، أغمضت عيني في ذهول وهرعت مسرعة لقراءة تلك المفكرة؛ التي خرقت بسببها عادتي.
تستفتح المفكرة بهذه السطور : " السنة الميلادية شارفت على الانتهاء، لم أود أن تكون السنة كسابقتها.. كنت أود أن تصبح استثنائية، لأنها لم تكن عادية. في قرارة نفسي تمسكت بفكرة تخطي المخاوف، المخاوف التي عاشت معي وزعزعت ثقتي بنفسي، لكني عانيت الأمرين حينما حاولت اقتحامها؛ كوني أجهل ماهيتها، ولم أستطع ابعادها... ضعفي الموحش ووحدتي، جعلا العبء يزداد، لذا بحثت عما يسّكن هذا الخوف. دوامة من الحروب الداخلية التي لا نهاية لها ولا مفر منها.
تجمدت أطرافي عند قراءتي للمكتوب، أستصدقني حين أخبرك أن هذه المفكرة لا تشبهني؟ أعني هذه السطور، تحدثت فيها عن الغائب الذي لم يغب، عن "الخوف" الذي انتزع روحي انتزاعًا ومزقها. عن وهن هذه الروح وضعفها؛ حتى كادت تزج بنفسها إلى الهوَّة لترتاح.. بكل جسارة أتحدث عن عدوي، بهذه الجسارة المنبثقة من السطور، الأقنعة المنزوعة، الوصف الواضح لخلجات النفس.. لا يبدو منطقيًا، أهددني أحدهم بسلاحه لأكتب عن هذا؟
السطور الأخيرة من المفكرة هي الأكثر غرابة إذا قلت فيها : "عندما كشف الحائل بيني وبين الخوف المتعفن في داخلي، تقدمت نحوه كما لو كنت أتحداه.. ولولا تلك الخطوة المهزوزة التي تمنيت فيها بإخلاص أن أنجح في فهم كل شيء، لما كتبت هذه المفكرة."
أحسب ما فعلته تم تحت التهديد، لست أستبعد الأمر.. أعرف الخوف حتى أني أعرف عنه مالا يقال، فكيف؟ أحرك السهم نحو الأسفل بحثًا عن تتمة ترضيني، أهذا كل شيء؟
ما الذي جرى بعد تهافت كل هذه المشاعر؟
نعم، وحدي من تعلم ما الذي حدث.. لكن صنع تتمة ترضيني وتشبع فضولك، يتطلب فتح السجلات القديمة ومعاودة النظر فيها، ولقد أخبرتك قبلًا، لست معتادة على ذلك ولا يوجد من يهددني الآن حتى الخوف لا يقدر.
لا تحدق فيّ بهذه النظرة الحادة، أعلم أنك ستمل حديثي بعد دقائق، وستقفز للنهاية بحثًا عمّا توده نفسك.. لا أطيق كسر عاداتي على الرغم من أني فعلتها ذات مرة، وفقًا لما كُتب في المفكرة لقد حاولت.
حسنًا ليكن ما يكن، أسمع.. لا يوجد ما هو أكثر إرباكًا، من محاولة تغيير شخصك القديم.. الخطوة الجريئة التي يقوم بها المرء بعد تهافت مشاعره، تقذفه في ساحة متفرعة الطرق، يختار بسرعة جنونية طريقه، يهرع نحوه كالذي حرم من الخروج لسنواتٍ طويلة.. وينسى أنه من خلق مآسيه بنفسه، ينسى.
تشاهده كما لو كنت تشاهد بطلًا في أحد الأفلام التي يصرخ أصحابها بكلمة " الحرية"؛ ولم تحتوِ هذه الكلمة مشاعرهم المتفجرة بدقة.
لم يجعلك هذا التصور ترتبك؟
لقد فكرت مثلك في إحدى المرات، قلت في نفسي : ماذا؟ أين المربك؟ .. لكن صوتًا هاتفني وأكد بأن هذه المرحلة ليست عادلة، وليست حلًا.. حين تتكاثف الرغبة في داخل المرء؛ تجعله يتصرف بقساوة لا يدركها، تتجرأ رغبته تهدم الرِتاج وكل الحدود تطمس، تغير، تنسيه ما كان عليه.. قبل تواجدها كان يعرف بشكل نسبي معنى الحدود، ومع أي خطوة سيطغى عليه خوفه، ومتى يتوجب عليه التوقف والعودة إلى قوقعته الأمنة. يوجد ذلك الجرس الضخم الذي يقرع بصخب عند محاولتك الخروج عن المألوف.
في الطريق الغامض الجائر، ليس هناك خط رجعة لا يفكر المرء أبدًا بالعودة لسجنه، وفي ذات الوقت هو لا يعلم ما أن كان يحب ذلك أم يكرهه.. توجد لحظات كثيرة كنت أقفز فيها نحو الأشياء بحماسة وشجاعة لكن شيئًا في داخلي كان ينتظر، ينتظر أن يقرع الجرس المزعج؛ ليوقفني عمّا أفعله من تلقاء نفسه. أحيانًا يشك المرء ويتساءل : أهذه ألاعيب تحاول سحبي للوراء؟.. وبمجرد أن يسأل نفسه ويرجع لذكرياته القديمة، ونفسه الحبيسة، يزيد غيظه وتمرده، يخرق الحدود كمن يقود بلا مكابح.
هل سئمت حديثي؟ لقد أخبرتك أنك ستمل.. لكني بيَّتُّ العزم على أن استبثك سريرة نفسي فأعطني فرصة. أعجب ما أعجب له أن المشاعر لا تتوقف عن التهافت، حتى بعد حصولها على حريتها.
أصبحت الفِعال كلها تتنقل بين الشجاعة، الجرأة، الإقدام... وكلمّا أراد المرء أن يتوقف ليلتقط أنفاسه ويعود لقوقعته.. هاتفه صوت: أتخاف؟ هل أنت خائف الآن؟.. تعود نوبة الذكريات التي لم يحبها ولم يتكيف معها، فلا يتوقف بعدها عن الزج بنفسه في كل شيء تحت مسمى الشجاعة.
خيط سميك شفاف، عقد بين الكفتين وقطع بفعل الغضب والحنق، تتصدع الروح وتذبل. لا فرق هنا بين الروح التي أوهنها الخوف، والروح التي أوهنتها الشجاعة؛ لأنها تجرأت في كلا الحالتين على قطعه، وما أحوجها إليه.
دعنا ننتقل لشيء أكثر حيوية من هذه السوداوية..
يتوقف المرء عن استنزاف مشاعره، وإخماد ثورانها.. إذا فهم أن الخوف ليس وحشًا، والشجاعة ليست ملاذًا، والحرية قد تكون مشكلة وليست حلًا.. وإذا فهم أن لكل شيء وجه آخر لم نألفه ونعرفه، فإذا الحياة بينتّه وأعلنته، أحطنا به وبمعناه وقدرنا ما عرفناه.. ولا بد من الخيط الرفيع الذي يوازن الموازين ظاهرها وباطنها، يضيء ما ستر من الغياهب وما صعب من المذاهب. وما أجمل أن يعرف الإنسان كيف يتوازن في أموره ويهتدي في سبيله، ليأمن نوبات نفسه وعثراتها.
ترى هل أعجبتك التتمة؟
نصك جعلني أتساءل ما هو الخوف؟
ردحذفهل فقدت خوفي من الأشياء! أم أنه ما زال باقي! هل هناك شيءٌ مُخبأ في داخلي، أحاول مداراته باستماتة بتلك الشجاعة المزيفة، أم أنني حقاً تجرأت على الخوف وتجاهلته! هل إذا واجهته مرة أخرى قد يعود، وهل سأكون قوية في مجابهته، هل حقًا قد نسيت نفسي القديمة! أم تناسيتُها لكي أعيش دون مخاوف!
أظن أن مخاوفي الآن تتجسد في مواجهة اختياراتي!
أسماء..
هذه التساؤلات لا يجيب عليها إلا تجربة المواجهة الحقيقية، في الساحة الكبرى..
حذفولا بأس إن لم تجدِ لهذه الاسئلة أجوبة. والمهم هو أن تكتشفي الخيط الرفيع السري الذي يجعل لمقاومتك جدوى حقيقية لا مهلكة ولا استنزاف.
الخوف هو وجه آخر للمرء، والذي يتحرر منه لا يكاد ذلك إلا بطعنه في قلبه و خنقه حتى يموت. الخوف يولد الجبن الممقوت … و المكوث في راحة واهية قد تمتد حتى نهاية العمر.
ردحذفويالها من خطوة عظيمة قلة من يقدر عليها. التحرر من أغلال الذات. هو التحرر الحقيقي.