أم السعف والليف
صباح طويل هادئ، تتلون فيه الوجوه وتكابد، تصفر تارة من شدة الجوع، وتحمر من شدة الانزعاج.. حصة دراسية متخمة بالثقل والإرهاق، يتباطأ فيها الفكر والاستيعاب، تهتز الأقدام في توتر، ترتفع صوت طرقات الأقلام، همسات خفية.. في خضم الجو، يرن جرس المدرسة بصوته المدوّي كالصريخ، معلنًا عن دخول لحظة الإفراج عن مساجين الفصول، إنها الفسحة.
*تختار العائلة وفقًا لقوانين الجد، صباح الخميس موعدٍ للاجتماع في بستانه، ذلك أن جدي دقيق في المواعيد ولا يحب المسائية منها... لذا نستيقظ صبيحة الخميس بنشاط، محملين بالحقائب وكل ما لذ وطاب، قاصدين بستان الجد وجهةً.
الطريق طويل لكننا لا نمله، فالمناظر خلابة والهواء نقي، كمّا أن رائحة النخيل تقتحم المركبة ولتلتصق بملابسنا، لا تتوقف الروائح العطرة عن الانبعاث، بمجرد أن ندخل البستان تستقبلنا رائحة الليمون العطرة، يحف الأريج المنعش المكان، وتزدحم الغرف بالأهل والأحباب.. وحين تغيب الأعين وتغفل، تنسل الأجساد الصغيرة مجتمعة، تبتعد شيئًا فشيئًا عن أعين الكبار.
ينطق واحدٌ منا: أنذهب للجزء الخلفي من البستان؟
يردف أخر: يجب علينا ذلك قبل أن ينتبه أحدهم.
نحدد مصيرنا المعلق بين إقدام وإحجام، لنختار الإقدام، نركض بجنونية للمنطقة المحظورة، التي نعلم يقينًا أنها حرمت علينا، إذ يمنعنا جدي التواجد فيها دونه، ودون أحد الكبار.. وينسى جدي أننا نحب تلك الأرض حبه لها، ونؤمن أن لنا فيها حق مثل ما له.
*تلك المنطقة ظلت تزهو، وتتألق في كل مرة نزورها.. يتوسطها باب من حديد تأكل بفعل الصدأ، يسمع من خلفه صوت هدير الماء المتدفق من الأنفاق الطينية، نسمع حفيف الشجر الوارف، ترتفع الأغصان للأفق وتتشابك، لنشهد سماءً من شجر. النعيم المقيم في تلك الأرض، أنعم الله به على جدي حيث الرمان، والتين، الموز، وعين صغيرة تتوسط المكان تتوالد فيها الضفادع. كل شيء كان يتألق بامتياز، حتى من يحمي تلك الأرض كان مختلفًا كمّا الأسطورة.
: أمسك بالضفدع لا تدعه يفلت.
: تسلقها يا معاذ أنت تجيد التسلق.
معاذ: ماذا لو كانت تحميها تلك؟
: هذه الشجرة جديدة، وتلك لا تحمي إلا الشجر القديم، لا تخف!
من أعلى الشجرة، يتعلق الجسد الهزيل بالغصن بخفة، يهزه لتتناثر الثمار علينا كالمطر نصرخ بفرح : المزيد، المزيد..
مطر من الثمار المحمرة، وسعادة لا يعكر صفوها شيء.. ينبثق من أوساط البستان صوت صارم : ألم أقل لكم.. أم السعف والليف ستأتيكم أن لعبتم بالثمر؟ لقد أسرت إلي بفعلتكم.
تجمدت حركاتنا، وهفت حماسنا، وخفتت أصواتنا، يرتعد الجسد الهزيل من أعلى الشجرة، ليرتد الغصن بكل قوته غارسًا أطرافه الشائكة في فكه.. يسقط الجسد الصغير، يمتزج الدم بالطين، نندفع للخلف في خوف نصرخ ونبكي. لن يموت، لن يموت.
من يدري من وقتٍ مضى، لم نرَ فيه عين الضفادع، لم نأكل التين ولا الرمان، وفي داخلنا كنا نعلم أن تلك البقعة تحّن إلينا ولصخبنا. لعلّها اللهفة التي توقد شرارة في أعيننا، تحرك أقدامنا نحو البقعة، ليعيدنا الوشم المنقوش على فك معاذ ألف خطوة للوراء.
يسألوننا على الدوام بغطرسة : أفعلت أم السعف والليف هذا بمعاذ؟
نجيب بصوت خانع بليد كأننا هرمنا مبكرًا: بلا شك.
* لم يكن في تلك البقعة سوانا نحن وتلك الحامية (أم السعف والليف)، تحمي الأشجار منّا، نحيلة القامة طويلة الجثة، لها شعر كثيف أشعث.. كلمّا أقبلنا على الشجر أو الثمر عاقبتنا، لكننا اختبرناها كثيرًا، فرحنا نقطع الثمر ونتسلق الشجر بحرية. لم نرَ لها أثرًا آنذاك، لكنها في ذلك اليوم... في ذلك اليوم تغير كل شيء في حياتنا.
أم السعف والليف التي لا تفارق لسان جدي، كانت الحامية الأحب والأجدر بثقته، كان يثق بقوتها وهالتها العظيمة من الجذع إلى السعف، لقد حاولنا أن ندركها، بحثنا عنها كثيرًا.. وكان جدي في كل مرة، يبرز في أوساط تلك البقعة وقت الاختبار إلى جانبها. كانت كما كان هو موجودة، راسخة في وسط الأرض، ولربما غابت عن بصيرتنا حين غادر هو، عندما أختفى من يذكرنا بها.

بهذا القدر من البساطة يختفي أياً ما كان. ما أن ينطق آخر من نطق به حتى يُنسى. يُهاب كان أو يُذل. مرة ما ستكون هي الأخيرة.
ردحذف