بوصلة زمنية.




 

 

 

بخطوات ملؤها التردد، يقف أمام الباب المتهالك.. يحركه خطوة للأمام صوتٌ لحوح في رأسه، ويجره للخلف خوفه، يمل تردده الطويل؛ وبثقل العالم كله يفتح الباب ويلج إلى داخله.

في الداخل استقبلته رائحة الأغبرة المتراكمة، صدى حركاته المترددة، وفي كل زاوية كانت الذكريات، تحتضنه باندفاع شديد. منزله الذي أصبح قاعًا صفصفًا؛ يؤذي القلب منظره ويملأه وحشةً وغربة.. آل إليه بعد مضي السنوات وطول المسافات، ينظر إليه نظرة الانتماء والولاء، يتبسم له والعينان مخضلّتان وبصوتٍ محشرج يقول: هأنذا، عدت من جديد. 


 

 

" ما أجمله من شعور!" 

نطقت بهذا وأنا أتمعن في خبايا النص القديم الذي كتبته في إحدى الأيام، وقد غابت عني دوافع كتابته، فأحسست بالمشاعر الدفينة التي تغذى عليها، وتلمست أشد مشاعر هذا النص قوةً وتشبعًا بالعاطفة، وهي التي تركزت بقوة في "معنى العودة" وفكرتها التي سلبتني لبي بكل صورها المتناقضة عذبة كانت أم ثقيلة، ولوعة بها وحسب. 

 تيقظت حواسي لهذه الفكرة مبكرًا، ما كانت تمر مرور كرام، فبمجرد أن أشعر بها، أسحب لزمن لا يشبه الحاضر ولمكان لا وجود له إلا في الذاكرة، هناك حيث تولد المشاعر من رمادها مرة أخرى، ترحب بالمرء بود وعطف -وربما لا- ..

 

لا أزال أذكر اصطدامي القوي بها في صغري..كنت أحضر الحلقة الأخيرة من ( عدنان ولينا)، أشاهدها بتركيزٍ عال وسط هدوءٍ مريب.. يبدأ المشهد بعدنان يرتجل السفينة الكبيرة مع أصدقائه، تتوسط البحر الشاسع، تمخر العُباب.. وهو يتجول بقلق كأن الريح تحته، يترقب تلك اللحظة، اللحظة التي يصرخ فيها إحدى البحارة بحماس: عدنان، إنها اليابسة.. أستطيع رؤية اليابسة.

يركض كالمخبول لأعلى السفينة، يحاول أن يبصر الجزيرة من بين الغمام، يرُفع السجاف عن بصره، يرتعش جسده، ثم يبتسم ابتسامة تحكي الكثير ويصرخ: هناك، انظروا إلى قنة الجبل.. هناك بيتنا. بيت جدي. 

لحظات صامتة تمتلئ بها الشاشة الصغيرة من صوت البحر، تعابير عدنان، المنزل القديم، الجزيرة المهجورة، السفينة العائدة... كل ما يملأ النفس بالمشاعر المختلطة تتجلى فيها فكرة "العودة" التي خلقت نفسها في مشهدٍ بسيط، تحولت لحدثٍ لا ينسى  في ذهن طفلة صغيرة. 

أدركت بدقة ذلك الشعور الكثيف الذي بعثه المشهد أو الفكرة ذاتها، لكنه ظل خامدًا.. لم يحدث فهمي للفكرة أو تصورها فعلاً حقيقيًا، لم يفجر الشعور أو يُعبر عنه؛ لذا تخمر في داخلي جيدًا.

 

وفي ليلة ليلاء خامرني الشعور بغتةً، الرغبة في الإنابة لشيء ما، شيءٍ لا أدرك ما هيته، ولكنه تبعني كالظل أينما ذهبت يظلني، يمتلأ به صدري، تشتد الرغبة وأحس الألم والحنين يكوي دواخلي.. أحاول التخلص من هذه الرغبة، وأبيَّتُّ العزم على ذلك.

أعود لكل شيء تدريجيًا للأماكن، الصور، الدفاتر، الحكايات، والأنغام الأحب إلي.. أعود للذكريات، التي لم تحرك الساكن ولم تجعل الظل يتلاشى.

ببطء شديد كنت أُسحب، أُغيب عن نفسي وحاضري، أسلك طريقًا رسمته مشاعر خامدة شاءت في لحظة أن تنشر ما طوت، وتكشف عمّا أضمرت.. حتى رأت مني الاستئناس بها والاستسلام لها، وقلة الضجر منها، فحملتني إلى منفذها الآخر. 

 

على عتبات المنفذ الآخر، تكشفت المشاعر برقة، تجلت كل الوعود البعيدة، الأمنيات، واللحظات التي تشبه الشروق لا الغروب، البقاء لا الرحيل. 

وفي هوامش المنفذ، تراءى لي طيف شخصٍ أعرفه جيدًا، يشبهني ملامحًا ولكنه أكثر طموحًا وعزمًا.. شخص هجرته في هذا المنفذ، وأسدلت الستار بيني وبينه، ثم رحلت بعيدًا. ظننت أني تحررت منه إذا بي أعود إليه، وهو قابعٌ في الداخل يرى أيامًا لا تشرق فيها الشمس، ولا يذكره فيها الراحلون.

حينها تبسمت والعينان مخضلّتان وقلت : هأنذا عدت، عدت لأحكي الكثير.  

 

 

 

 

 



 

 

 

 


تعليقات

  1. لامست قلبي اليوم بشكل خاص، واخيراً استطعت قراءة كتاباتك ياغالية…احببتها كثيراً وتلذذت بالخيال وكأنها ذكرياتي أنا.

    ردحذف
    الردود
    1. شكرًا يا ذكرى..
      ذكرى وذكريات، وعودة. أهلًا وسهلًا بك مجددًا، كنّا ننتظر تفاعلك المعهود.

      حذف

إرسال تعليق

التعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

صفحة جديدة.

الظل المنسي (قصة قصيرة)

عزاء النفس